الشيخ محمد رشيد رضا
346
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وأقرب الالفاظ التي قيلت إلى هذا المعنى كلمة التشجيع المأثورة ، فهي تدل على أنه كان يهاب قتل أخيه وتجبن فطرته دونه ، فما زالت نفسه الأمارة بالسوء تشجعه عليه حتى تجرأ وقتل عقب التطويع بلا تفكر ولا تدبر للعاقبة فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ أي من جنس الذين خسروا أنفسهم بافساد فطرتها ، وخسروا أقرب الناس إليهم وأبرهم بهم في الدنيا ، وهو الأخ الصالح التقي ، وخسروا نعيم الآخرة إذ لم يعودوا أهلا لها لأنها دار المتقين . * * * فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ لما كان هذا القتل أول قتل وقع من بني آدم ، ولما كان هذا النوع من الخلق ( أي الانسان ) موكولا إلى كسبه واختياره في عامة اعماله ، لم يعرف القاتل الأول كيف يواري جثة أخيه المقتول التي يسوءه ان يراها بارزة . - فالسوءة ما يسوء ظهوره ، ورؤية جسد الميت ولا سيما المقتول يسوء كل من ينظر اليه ويوحشه . - وأما سائر أنواع الحيوان قتلهم عمل ما تحتاج اليه إلهاما في الأكثر ، وقلما يتعلم بعضها من بعض شيئا . وقد علمنا اللّه تعالى ان القاتل الأول تعلم دفن أخيه من الغراب ، ويدلنا ذلك على أن الانسان في نشأته الأولى كان في منتهى السذاجة ، وانه لاستعداده الذي يفضل به سائر أنواع الحيوان كان يستفيد من كل شيء علما واختبارا ويرتقي بالتدريج . ذلك بأن اللّه تعالى بعث غرابا إلى المكان الذي هو فيه فبحث في الأرض ، أي حفر برجليه فيها يفتش عن شيء ، والمعهود ان الطير تفعل ذلك لطلب الطعام . والمتبادر من العبارة أن الغراب أطال البحث في الأرض ، لأنه قال « يبحث ، ولم يقل بحث . والمضارع يفيد الاستمرار . فلما أطال البحث أحدث حفرة في الأرض ، فلما رأى القاتل الحفرة - وهو متحير في أمر مواراة سوأة أخيه - زالت الحيرة واهتدى إلى ما يطلب . وهو دفن أخيه في حفرة من الأرض . - هذا هو المتبادر من الآية . وقال أبو مسلم : ان من عادة الغراب دفن الأشياء ، فجاء غراب فدفن شيئا فتعلم منه ذلك . وهذا قريب أيضا . ولكن جمهور المفسرين قالوا إن اللّه بعث غرابين لا واحدا ، وانهما اقتتلا فقتل أحدهما الآخر ، فحفر بمنقاره ورجليه حفرة ألقاه فيها . وما جاء هذا الا من الروايات ، التي مصدرها الإسرائيليات ، على أن مسألة